الأمير الحسين بن بدر الدين

165

ينابيع النصيحة في العقائد الصحيحة

ولأنّه أضاف إليهم فعلهم وهو النّحت . ومثل هذا موجود في اللغة ؛ فإنّ قائل أهل اللغة يقول : فلان يعمل بابا ، والمراد به يعمل عملا في الباب ؛ فأطلق اسم العمل على المعمول فيه ، وعلى هذا نزّل قوله تعالى : فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ [ الأعراف : 117 ] يعني العصيّ والحبال المأفوكة دون نفس الإفك . ونمط الآية هو قوله : أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ يعني المنحوت . كذلك قوله : وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ يريد المعمول . ومثل ذلك قوله تعالى : تَلْقَفْ ما صَنَعُوا [ طه : 69 ] وإنما تلقف المصنوع . فإنّ فعلهم وهو الحركة قد صار معدوما ؛ ولأنّه لو حمل قوله : وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ على أنّ المراد به العمل لأدّى ذلك إلى تناقض الآية في نفسها ، بل إلى تناقض القرآن فإنّ إبراهيم عليه السّلام بيّن في الآية أنّهم نحتوها ، فلو أراد أن اللّه خلق نحتهم كما قالته الجبرية كان بذلك مناقضا . وقد ثبت أن القرآن لا يتناقض ولا يتعارض ، ولا يدخله الباطل « 1 » . وتعلّقوا بقوله تعالى : وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً « 2 » [ الفرقان : 2 ] . والجواب : أن هذه خاصة في أفعاله تعالى وهي الأجسام والأعراض التي لا يقدر عليها سواه ، كالحرارة والبرودة والطعوم والألوان ونحو ذلك ، فأمّا الفواحش والمخازي والظلم والكذب فأيّ تقدير فيه ، أو أيّ حكمة في فعله ؟ بل فاعله مذموم . ولو قيل للقدري : يا سارق أو يا كاذب أو يا ظالم أو يا زاني - لأنف على نفسه واغتمّ ، فكيف يرضى بإضافة ذلك إلى ربه تعالى أو يحسّنه عقله ؟ - لولا الزيغ العظيم والضلال البعيد - فبطل قول الجبرية . وعلى قود هذا الكلام يجري الكلام في سائر ما يتعلقون به في ذلك .

--> ( 1 ) ينظر الكشاف 4 / 51 . ومتشابه القرآن 25 / 580 . والألوسي مج 13 ج 23 ص 181 . وجامع البيان مج 12 ج 23 ص 89 . والطبرسي مج 8 ج 23 ص 318 . ( 2 ) ذكر الرازي في تفسيره مج 12 ج 24 ص 47 أنه تعالى خالق لأفعال العباد .